عبد الرحمن حسن حبنكه الميداني
92
معارج التفكر ودقائق التدبر
مستكبر كعادة الملوك غير الرّبّانيّين ، الّذين يتفاخرون مستكبرين ، بما حصل لهم من نصر أو غيره ، ممّا تميّزوا به على من سواهم ، ومبيّنا أنّه ممتحن بما آتاه اللّه من فضل عظيم ، أيشكر فضل اللّه عليه أم يكفر ، ومبيّنا قاعدة من قواعد الامتحان الرّبّانيّ للعباد ، وهي أنّ من يشكر ربّه فهو المستفيد من شكره له أجرا عنده ، وأنّ من يكفر نعمة ربّه فإنّه لن يضرّ اللّه شيئا لأنّه غنيّ بذاته عن كلّ شيء ، وقد يمدّ اللّه الكريم أجل امتحانه ولا يعجّل عقابه بل يترك له أمدا ليراجع به نفسه فيتوب ويكون من الشّاكرين . المستقرّ : المتمكّن في موضعه الثّابت عليه . هذا مِنْ فَضْلِ رَبِّي : أي : إحضار عرش بلقيس لي ، واستقراره عندي كلمح بالبصر ، هو فضل من منح ربّي عليّ . لِيَبْلُوَنِي أَ أَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ ؟ . أي : ليختبرني ، أأكون شاكرا لفضل اللّه عليّ أم أكون كافرا . الشكر : هو مقابلة إنعام المنعم بما يرضه من فعل أو ترك . ويدخل فيه الاعتراف والثناء ، وضدّه الكفر ، وأخسّه الجحود ونكران الجميل . وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّما يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ : هذه قاعدة من قواعد امتحان اللّه لعباده بالنّعم في الحياة الدنيا ، وهي ذات أربع موادّ ، دلّ اللفظ على بعضها صراحة ، ودلّ على بعضها لزوما ومن دلالات نصوص أخرى . المادّة الأولى : من يشكر ربّه على ما أنعم به عليه ، بدأ من إيجاده ، وإمدادا له بالحياة والرّزق والسّلامة وسائر النّعم الّتي لا يحصيها ، فإنّه لا ينفع بشكره ربّه إلّا نفسه ، لأنّ اللّه عزّ وجلّ يكافئه على شكره بمزيد من نعمه في الحياة الدّنيا ، وبأجر عظيم خالد يوم الدّين في جنّات النعيم على مقدار شكره .